ميتة بلا كفن / محمود درويش
-1-
هي أول الدنيا,
ومنتصف الطريق أنا وحبي ملحمة
جسمي يرادف كل نافذة محطمة وشمس معتمة.
عدنا من الموت القديم
بموعد الموت الجديد...
ولم نمت ...
كل المشانق أوسمة.
وبكل ما أوتيت من عسف الحياة
أصيح: فلتحي الحياة.
النهر ضاعت ضفتاه
والرمل يفترس الجباه
وتحالف الشيطان, في ميدان إعدامي,
تحالف والإله
وأنا أصيح... أصيح:
فلتحي الحياة!
وأنا أحب حبيبتي الأولى, وحبي مذبحة
هي أول الدنيا.....
وكل طفولة أخرى.... مزاج!
2
أهديك ذاكرتي على مرأى من الزمن
أهديك ذاكرتي
ماذا تقول النار في وطني؟
ماذا تقول النار؟
هل كنت عاشقتي
أم كنت عاصفة على أوتار
وأنا غريب الدار في وطني
غريب الدار....
أهديك ذاكرتي على مرأى من الزمن
أهديك ذاكرتي
ماذا يقول البرق للسكين؟
ماذا يقول البرق
هل كنت في حطين؟
رمزا لموت الشرق؟
وأنا صلاح الدين
أم عبد الصليبين؟
أهديك ذاكرتي على مرأى من الزمن
أهديك ذاكرتي
ماذا تقول الشمس في وطني؟
ماذا تقول الشمس؟
هل أنت ميتة بلا كفن
وأنا بدون القدس....
3
طلعت من الوادي...
يقال تضاءل الوادي....... وغاب
وجمالها السري لف سنابل القمح الصغيرة,
حل أسئلة التراب.
هل تذكرون الصيف يا أبناء جيلي؟
يا كل أزهار الجليل...
وكل أيتام الجليل...
هل تذكرون الصيف يصعد من أناملها
ويفتح كل باب؟
قالت بنفسجة لجارتها:
عطشت...
وكان عبد الله يسقيني..
فمن أخذ الشباب من الشباب؟!
طلعت من الوادي,
وفي الوادي تموت....
ونحن نكبر في السلاسل
طلعت من الوادي مفاجأة
وفي الوادي تموت على مراحل........
ونمر عنها الآن جيلا بعد جيل
ونبيع زيتون الجليل بلا مقابل
ونبيع أحجار الجليل
ونبيع تاريخ الجليل
ونبيعها.......
كي نشتري في صدرها
شكلا لمقتول يقاتل ..
-4
لم أعترف بالحب عن كثب
فليعترف موتي
وطفولتي - طروادة العرب –
تمضي.... ولا تأتي
كل الخناجر فيك.... فارتفعي
يا خضرة الليمون
وتوهجي في الليل.... واتسعي
لبكاء من يأتون!
الريح واقفة على خنجر
ودماؤنا شفق
لا تحرقي منديلك الأخضر
الليل يحترق...
طوبى لمن نامت على خشبة
ملء الردى... حية
طوبى لسيف يجعل الرقبة
أنهار حرية
لم نعترف بالحب عن كثب
فليغضب الغضب
نمشي إلى طروادة العرب
والبعد يقترب
5
لا تذكرينا...
حين نفلت من يديك إلى المنافي الواسعة
إنا تعلمنا اللغات الشائعة
ومتاعب السفر الطويل إلى خطوط الاستواء
والنوم في كل القطارات البطيئة والسريعة
والحب في الميناء....
والغزل المعد لكل أنواع النساء
إنا تعلمنا صداقة كل جرح
ومصارع العشاق
والشوق المعلب...
والحساء بدون ملح
- يا أيها البلد البعيد
هل ضاع حبي في البريد
لا قبلة المطاط تأتينا
ولا صدأ الحديد.
كل البلاد بلادنا
ونصيبنا منها..... خيال
لا تذكرينا....
حين نفلت من يديك إلى السجون
إنا تعلمنا البكاء بلا دموع
وقراءة الأسوار والأسلاك والقمر الحزين
حرية
وحمامة ....
ورضا يسوع
وكتابة الأسماء:
عائشة تودع زوجها
وتعيش عائشة....
تعيش روائح الدم والندى والياسمين...
- يا أيها الوجه البعيد
قتلوك في الوادي,
وما قتلوك في قلبي,
أريدك أن تعيد
تكوين تلقائيتي
-يا أيها الوجه البعيد!
.... ولتذكرينا
حين نبحث عنك في لحم الخنادق
ولتذكرينا
حين نبحث عنك تحت المجزرة
وليبق ساعدك المطل على هدير
البحر والدم في الحدائق
وعلى ولادتنا الجديدة قنطرة!
ولتبق كل زنابق الكف النبية في حديقتها
فإنا قادمونا...
من يشتري للموت تذكرة سوانا اليوم من؟
نحن اعتصرنا كل غيم خرائط الدنيا
وأشعار الحنين إلى الوطن.
لا ماؤها يروي..ولا أشواقها تكوي
ولا تبني وطن.
ولتذكرينا...
نحن نذكرك اخضرارا طالعا من كل دم
طين... ودم
شمس... ودم
زهر... ودم
ليل... ودم
وسنشتهيك - وأنت طالعة من الوادي
ونازلة إلى الوادي - غزالا سابحا في حقل دم
دم
دم
دم....
-6
يا قبلة نامت على سكين
سلطانة القبل
من يذكر الطعم الذي يبقى - ولا تبقين –
كفواكه الأمل
- إنا كبرنا أيها المسكين
قالت لي الدنيا
- وحبيبتي؟
- لا يكبر الموتى
- وأقماري؟
- سقطت مع الدار...
يا قبلة نامت على سكين
هل تذكرين فمي؟
إني أحبك حين تحترقين
هل تحرقين دمي؟
كالزنبق اللاذع؟
..وأحب موتك حين يأخذني إلى وطني
كالطائر الجائع
يا قبلة نامت على سكين...
البرتقال يضيء رغبتنا
البرتقال يضيء
والياسمين يثير عزلتنا
والياسمين رديء
يا قبلة نامت على سكين
تستيقظين على حدود الغد
تستيقظين الآن
وتبعثرين الساحل الأسود
كالريح والنسيان
يا قبلة نامت على سكين...
-7
كبر الرحيل...
كبر اصفرار الورد يا حبي القتيل...
كبر التسكع في ضياء العالم المشغول عني...
كبر المساء على شوارع كل منفى...
كبر المساء على نوافذ كل سجن...
وكبرت في كل الجهات
وكبرت في كل الفصول...
وأراك:
تبتعدين... تبتعدين في الوادي البعيد
وتغادرين شفاهنا
وتغادرين جلودنا
وتغادرين وأنت عيد
وأراك:
أشجار النخيل
سقطت. وماذا قال عبد الله؟
- في الزمن البخيل
يتكاثر الأطفال والذكرى, وأسماء الإله
وأراك:
كل يد تصيح هناك: آه
كنا صغارا -
كانت الأشياء جاهزة –
وكان الحب لعبة
وأراك:
وجهي فيك يعرفني و
يعرف كل حبة
من شاطئ الرمل الكبير,
وأنت تبتعدين عني
والموت نسبة!.
وأراك:
تحني غابة الزيتون هامتها لريح عابرة
كل الجذور هنا...
هنا كل الجذور الصابرة
فلتحترق كل الرياح السود في عينين
معجزتين يا حبي الشجاع!
لم يبق شيء للبكاء
إلى اللقاء
إلى اللقاء
كبرت مراسيم الوداع
والموت مرحلة بدأناها
وضاع الموت... ضاع
في ضجة الميلاد,
فامتدي من الوادي إلى سبب الرحيل
جسما على الأوتار يركض كالغزال المستحيل!....

2 Comments:
لا أخفيك سعادتي بما قرأت هنا في هذه المدونة،
وكتعليق أولي على ماقرأته: أنت تملكين ماتقولينه وهو بشكل ما مختلف عما يتردد كثيرا بين المدونين السوريين الذين يغلب عليهم طابع التغني بدمشق أو ترديد الشعارات والهتافات كما اعتادو في في الطلائع والشبيبة،
سأعود لأقرأ ثانية
:)
By
IronMask, at 15 June, 2006 11:30
مرحبا بك يا عزيزي
أنا أيضا أزور مدونتك باستمرار
أشكر لك مرورك وكلماتك وأرجو أن يكون لدي فعلا ما أقوله, فهذا لا يعدو خربشات وفشات خلق
بالمناسبة أنا أحب دمشق كثيرا
؛)
تحياتي
By
alienation, at 16 June, 2006 00:36
Post a Comment
<< Home